محمد أبو زهرة
1547
زهرة التفاسير
ذكر اللّه تعالى استحضار عظمته والإحساس بجلاله ، واستشعار النفس بنعمه ، وقد يدخل هذا في معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » فذكر اللّه يتضمن كل معاني العبودية والإحساس بالألوهية والنعم التي أسبغها على خلقه ظاهرة وباطنة ، وذكر اللّه لب كل عبادة ، وغاية كل نسك ، لذلك قال اللّه تعالى : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 ) [ العنكبوت ] وقد وصف اللّه تعالى أولى الألباب الذاكرين بأنهم يذكرون اللّه تعالى في كل أحوالهم ، فهم يذكرونه قائمين ، وقاعدين ، وهم على جنوبهم ، فقوله تعالى : قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ إشارة إلى أن الذكر يكون في عامة أحوال الإنسان في الحياة ، وظن بعض المفسرين أن المراد بالذكر الصلاة لما روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لعمران بن الحصين : « صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب » « 2 » والحق أن الذكر أعم من الصلاة ، وأن الصلاة الحقيقية التي تثمر ثمراتها ضرب من ضروبه ، وكل العبادات من مسالكه ، وقوله تعالى : قِياماً وَقُعُوداً مصدران وضعا موضع الوصف وموقعهما في الإعراب أنهما حالان . وذكر اللّه تعالى على هذا النحو من أكمل العبادات ، ولو ذكر المؤمن ربه في عامة أحواله لساد المجتمع الإنسانى كله الوئام ، وما كثر الخصام ، وما امتشق الناس الحسام ، بل ما تنازع اثنان ، وفوق ذلك من يذكر اللّه يعلو عن آلام الحياة واضطرابها وما ينزعج له الناس ويتحيرون فيه ، ولذا قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 ) [ الرعد ] . وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هذا هو الوصف الثاني بعد أوصاف أولى الألباب الذين يدركون آيات اللّه الدالة على جلاله وعظمته في خلقه ، والتفكر : ترداد الفكرة في النفس لتصل إلى أقصى ما تؤدى إليه ، وقد جاء في
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) رواه البخاري : الجمعة - إذا لم يطق قاعدا ( 1050 ) ، والترمذي : الصلاة : ما جاء في صلاة القاعد ( 339 ) ، وأبو داود : الصلاة - صلاة القاعد ( 815 ) ، وابن ماجة : إقامة الصلاة والسنة فيها ( 1213 ) .